النويري
48
نهاية الأرب في فنون الأدب
يشكرون حلمه [ 1 ] على السلامة من ريب المنون والأفواه تنطق بشكر الله * ( إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ والسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ [ 2 ] ) * وقد بهتوا لما رأوه من نعم الله التي تنوّعت له - خلد الله ملكه - حتى أتت كلّ نعمة في وقتها ، وعظمت في عيونهم آيات الله سبحانه ، ولسان الأقدار يتلو * ( وما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها [ 3 ] ) * فلما نظروا بالأمس في إنجاد الملائكة للعساكر المنصورة آية كبرى ، شاهدوا اليوم من سعادة هذا الملك الذي بنت له الأقدار بين السماء والأرض [ 51 ] مدينة فقالوا : هذه آية أخرى ، واستقلَّوا ما مرّوا به من المدائن والأمصار ، وغدوا وعيونهم في جنة وقلوبهم في نار ، واستصغروا ملكهم المخذول وملكه ، وقالوا : غير عجيب لمن أقدم على هذا الملك أن يبدد جمعه ، ويفرط سلكه ، وتحققوا أنه من أوتى هذا السعد لا يؤخّر - إن شاء الله - إمساك كبيرهم وهلكه ، ونودوا أن شاطروه في السلاسل والقيود ، والسيف يقول : ليس الأمر لمن يسمى - خديعة - محمودا ، محمود ووصل مولانا السلطان تربة والده السلطان الشهيد - قدس الله روحه - وأمراؤه قد بذلوا في محبته نفائس النفوس ، وجزيل الأموال ، وأخاير الذخائر ، وركبوا بالأمس للمناضلة عن دولته في سبيل الله ، وقد بلغت القلوب الحناجر ، وترجّلوا اليوم في خدمته تعظيما لشعائر سلطنته ، وطلعوا في سماء المعالي كالنجوم الزواهر ، وصعد - خلد الله ملكه - تربة والده - رضي الله عنه - وأنوار النصر على أعطاف مجده لائحة ، ودخلها فلو لا خرق العوائد لنهض من ضريحه وصافحه ، وشكر مساعيه التي اتصّلت بها أعماله ، وكيف لا وهى أعمال صالحة [ 52 ] ، وقصّ مولانا السلطان - خلد الله ملكه - عند قبره المبارك من غزوته أحسن القصص ، وأسهم من بركة جهاده أوفر الحصص ، فلو استطاع - رحمه الله - أن ينطق لقال : هذا الولد البار ، والملك الذي خلفني وزاد في نصرة الإسلام وكسر التّتار ،
--> [ 1 ] كذا في ص ، ف . [ 2 ] سورة غافر آية 71 . [ 3 ] سورة الزخرف آية 48 .